محمد عبد العزيز الخولي
75
الأدب النبوي
فبين الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن الخدم والمماليك إخوان في الدّين أو في الإنسانية . وكان الظاهر أن يقول : خولكم إخوانكم . ولكن قدّم ما أصله التأخير اهتماما بالأخوة . وأنه لا ينبغي أن تنسيها الخدمة . وهل الخدمة إلا إعانة . فكيف تجعلها سبب تحقير وإهانة ؟ إن الأخوة وحدها داعية التبجيل والإكرام . فكيف إذا انضمت إليها الخدمة . والمعونة والمساعدة ؟ كنت تحسب أنك تطعم الخادم وتسقيه ، وتكسوه وتؤويه أو تنقده أجرا على خدمته ، فلا تنسى أنه يقوم لك بأمور ، أنت مضطر إليها في حياتك ، وكثيرا ما تعجز عن معالجتها ، والقيام بها ، فهو يكمل نقصك ، ويوفر عليك وقتك ، ويحقق غرضك ، وتصور الوقت الذي تفقد فيه الخادم كيف تعتل أمورك ، ويقف دولابك ، ويختل النظام وتتعسر الحاجات ؟ فالذي يكفيك شؤونك ، ويحقق مصالحك جدير بمعونتك ، خليق برعايتك ، فهؤلاء الخدم الإخوان جعلهم اللّه تحت يدك ، ومكنك منهم بالملك أو الأجر ، وصاروا مسخرين لك طواعية وأخيارا ، فالواجب عليك العناية بهم . والإحسان إليهم وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى . . . أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ « 1 » ، فتطعمهم من جنس ما تطعم فلا تعد لهم طعاما دون طعامك ، ولا عيشا دون عيشك ، وكيف تستمرىء « 2 » طعاما يطهوه الخادم ويعده ، وعينه إليه ناظرة ، ويده فيه عاملة فتأكله كله ، ولا تبقي له بعضه ، أما تخشى سم عينيه ؟ فإن كان طبيخك لحما وأرزا ، وخضارة وحلوى فأبق له من كل ، ولا تحرمه من بعض ، وخل عنك الكبر والتعاظم ، فلولا هذا ما طعمت الشهي ، ولا شربت الهني ، وكذلك تلبسهم مما تلبس ، وإن لم يكن مثله من كل الوجوه ، فإن المدار على المواساة . وفي حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه ، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين ، أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه » « 3 » - رواه البخاري . فالغرض أن تكون نفوسهم قانعة ؛ وبحالهم راضية ؛ وقد نهانا الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب : العتق ، باب : إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه ( 2557 ) . ( 2 ) أي تستطيب وتستحسن . ( 3 ) ولي علاجه : أي غني بتحضيره وطبخه .